الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني
366
موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان
يقول العارف بالله محيي الدين بن عربي قدس الله سره : « وكيف لا وهو صلى الله تعالى عليه وسلم رسول الرسل الداعين الخلق إلى الله تعالى القائمين بالنيابة عنه بتبليغ الأحكام التي شرعها الله تعالى لهم » « 1 » . فلم يكن داعٍ حقيقي من الابتداء إلى الانتهاء إلا هذا النور المحمدي أفضل الصلاة والسلام على صاحبها ، قال تعالى : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ « 2 » ، والأنبياء والرسل وجميع أممهم وجميع المتقدمين والمتأخرين داخلون في الناس كافة ، فكان هو صلى الله تعالى عليه وسلم داعياً بالأصالة ، وجميع الأنبياء والرسل يدعون الخلق إلى الحق بالوكالة ، فكانوا خلفائه في الدعوة والتبعية ، لأن الله تعالى أخذ الميثاق عليهم بأنهم من أتباعه ، فرسالته صلى الله تعالى عليه وسلم عامةٌ من لدن آدم إلى يوم القيامة ، وحينئذٍ يدخلون في قوله صلى الله تعالى عليه وسلم : وأُرسلتُ إلى الناس كافةً « 3 » ، وليس إلى زمانه فحسب ، ولأجل ذلك يكون الأنبياء كلهم يوم القيامة تحت لوائه صلى الله تعالى عليه وسلم . قال الإمام البوصيري : وكلُّ أيٍ أتى الرسل الكرام بها * فإنما أتصلت من نورهِ بهمِ فإنه شمس فضلٍ هُم كواكبها * يُظهرن أنوارها للناس في الظُلمِ أي أن كل معجزةٍ ظهرت على يد رسول من الرسل عليهم السلام فإنها ظهرت بواسطة نوره صلى الله تعالى عليه وسلم لاقتباسهم من نوره صلى الله تعالى عليه وسلم ، فهو شمسُ فضلٍ وهم كواكبها ، وإذا ظهرت الشمس اختفت الكواكب ، والمراد أن الرسل عليهم السلام إنما يظهر دينهم ما لم يظهر دينه صلى الله تعالى عليه وسلم ، فلما أظهره الله تعالى على الدين انتسخ دينهم ، قال تعالى : هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ « 4 » .
--> ( 1 ) - المصدر نفسه ج 3 ص 359 . ( 2 ) - سبأ : 28 . ( 3 ) - تفسير ابن كثير ج 1 ص 412 برقم 5248 . ( 4 ) - التوبة : 33 .